الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
345
نفحات القرآن
إضافة إلى هذا ، فإنّ معركة بدر كانت أول مواجهة مسلحة بين المسلمين والمشركين انفصلت بها صفوف المسلمين عن المشركين ، ولذا سميت ب « يوم الفرقان » . وينبغي الالتفات إلى أنّ « فرقاناً » جاءت بصيغة نكرة ومطلقة ، فدلّت على عظمة ذلك النور الإلهي وعلى سعته ، بحيث يشمل المسائل الاعتقادية والعملية وكل ابداء رأي تجاه أمور الحياة المهمّة ، وعلى هذا ، فثمرة شجرة التقوى هي الولوج في كل خير وبركة والابتعاد عن كل شرٍّ وفساد . يقول الفخر الرازي في شرحه لهذه الآية : بما أنّ لفظ الفرقان مطلق فينبغي حمله على كل ما يفرق المؤمنين عن الكافرين ، فهذا الفرقان إمّا في أحوال الدنيا وإمّا في أحوال الآخرة ، والذي يتعلق بأحوال الدنيا إما أنّه يتعلق بالقلب وهي الأحوال الباطنة أو في الأحوال الظاهرة ، فبالنسبة للقلب والباطن فاللَّه يهدي قلوب المؤمنين ويلقي فيها المعرفة ويشرح صدورهم ويمحو عنها الحقد والحسد والبغض والعداوة ، بينما يمتليء قلب المنافق والكافر من هذه الرذائل والصفات السيئة ، لأنّ القلب إذا تنور بنور الإيمان زالت ظلمات هذه الرذائل عنه ، أمّا الذي يتعلق بالظاهر ، فاللَّه ينصر المسلمين ويفتح لهم ويمنحهم الرفعة « 1 » . جج والآية الثالثة التي هي جزء صغير من أطول آية ، أي بعد أن بيّنت عدداً من الأوامر الإلهيّة قالت : « وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ » . ( البقرة / 282 ) يقول القرطبي في تفسيره : « إنّه وعدٌ من اللَّه تعالى بأنّ من اتقاه علّمه ، أي يجعل في قلبه نوراً يفهم به ما يُلقى إليه ، وقد يجعل اللَّه في قلبه ابتداء فرقاناً ، أي فصلًا يفصل به بين الحق والباطل » « 2 » .
--> ( 1 ) . التفسير الكبير ، ج 15 ، ص 153 ( بتلخيص ) . ( 2 ) . تفسير القرطبي ، ج 3 ، ص 406 .